فرار

كتبهاMagge soup ، في 4 كانون الأول 2007 الساعة: 13:26 م

     جلست هناك على أحد مقاعد الجانب الإسرائيلي من معبر الحدود، تفكر بما قال لها عندما طلبت منه السفر معها ومع الصغار… خاصة وأنها حامل وبحاجة للمساعدة… وإقامتها هذه المرة ستطول لدى والديها… لقد أخبرها بأنه سيكون مشغولا بتجهيز المطعم الجديد… وليس لديه وقت للسفر معها…

المطعم الجديد… هي تعلم بأنها فكرة فاشلة أخرى من أفكاره النيرة هي لن تنسى محل الخردوات الذي سرقه صديقه… لقد اقترض منها كل ما ادخرته طوال السنين الماضية 40 ألف دينار أردني… وفتح المحل.. وكان يترك صديقه ليديره… وكان صديقا ونعم الأصدقاء!!! لقد تصرف بالمال كما يريد… وخسر زوجها كل النقود… وأغلق المحل لينقذ ما يمكن إنقاذه… و باع كل ما في المحل وها هو يخطط لهذا المطعم الجديد… كأن رام الله ينقصها مطعم آخر… وكأنه هو يعرف شيء غير وظيفته الحكومية…

لقد تعبت ولهذا أنا راحلة من هنا أنا وصغاري… ووليدي الذي لست أدري ماذا ينتظره… شهر شهرين ربما نصف سنة أو سنة… كل ما أذكره قبل عشر سنوات بأن هذه المدينة كانت تنبض بالحياة… والسعادة… وقد أقنعت والدي بصعوبة لترك الأردن والقدوم هنا للعمل والسكن مع أقربائي… والآن هي ما زالت حية ولكن، كالزومبي (الكائن الميت الحي)…

 

وقف ينظر حوله وهو يرتشف فنجان القهوة المر كمرارة هذه الأيام… اتكأ على القضبان الحديدية بانتظار فتح البوابة كي يركب الجميع الحافلة ويتوجهون نحو الضفة الأخرى من النهر الأسطوري الذي لم يبق منه سوى اسمه… ما زال يذكر ابتسامتها وهي تخبره بأنها تعبت من هذه الحياة… وبأنها لم تعد تستطيع الاستمرار… هو أيضا تعب لذا أخبرها بأنه سيترك هذه البلاد إلى الأبد… سيحمل جواز سفره الأردني وشهادته العليا ويهاجر إلى كندا… هي أيضاً سافرت مع أختها إلى فرنسا لإكمال دراستهن… فلقد حصلتا على منحة لمدة أربع سنوات في باريس…  وأخبرته بأنها لن تنساه أبدا رغم أنها تعلم بأنها ربما لن تراه مرة أخرى… لكن الحياة التي تشاركها من الصعب أن تمحى…

 

ارحل يا حبيبي… ارحل الآن… فأنا أحس رغم أني معك… أحس بالوحدة… سامحني فأنا لم أعد أعلم ماذا أفعل بحياتي… سامحني لأني يوما أحببتك.. وحملتك هما فوق همك…

 

يتذكر كلماتها… وسيتذكرها إلى الأبد… فهي لم تكن أبدا في حياته مجرد حدث عابر… نظر إلى رفيقته السمراء ذات الشعر الأجعد… وابتسم فردت عليه بنظرة تملؤها الرغبة… لقد تعرف عليها قبل شهر… وهو الآن سيرحل معها إلى كندا… لقد أخبر حبيبته بأنه لم يعد يستطيع الاحتمال لقد اختنق… لم تعد هذه المدينة تتسع له… لذا هو راحل، لكنها رحلت قبله… وأحلته من وعوده كلها…. لأن حبهما ولد في هذه المدينة ودفن فيها…

 

أحببتها كما أحببت رام الله… المدينة التي علمتني كيف أحب…. احتملت من أجلها كل شيء… الإحساس بالذل… الإحساس بالعوز… بالرغبة والجوع…. الخوف من الاحتلال و من شياطين المدينة… ولكن كفى لم تعد مدينتي جميلة… ولم تعد حبيبتي تحتمل… لقد جنت المدينة وجنت الحبيبة… لذا أنا ذاهب للبحث عن مدينة جديدة… وربما عن شبه حبيبة…

فتحت البوابة، واندفع الجميع نحو الحافلة، في المقعد الأمامي جلس رجل كهل وزوجته… رسمت الحياة في وجههما سنيناً أكثر من عمرهما… انسلت الدموع من عين السيدة… وتنهد هو بألم… هي تود لو تبقى في هذه الأرض وتموت…. ولكنها لا تحمل هوية إسرائيلية لتستطيع البقاء مع ابنها وأحفادها… هي الآن راحلة… ونادمة لأنها فرّت في ذاك اليوم من حزيران … لقد حملت صغيرها وجرت نفسها جرا مع الفارين.. وقطعت الجسر المهدم فوق النهر نحو الضفة الأخرى لتلقى زوجها العائد من الكويت بعد سماعه بخبر النكسة…  

ولدي الله يخليه… محظوظ لقد تزوج قريبته… التي تسكن في حيفا وحصل على تصريح إقامة… وهو يسكن القدس الآن… كنت أود البقاء أكثر…. لكن الدنيا لا ترحم…. والناس لم تترك لرحمة الله مكاناً على الأرض… وحتى ولدي الثاني بعد أن حرق قلبنا عليه هاهو راحل نحو دبي من أجل أن يغير حظه… لقد تخلص من مشكلته مع السلطات بصعوبة… الله يرضى عليه ويهديه…

 

تنهد بألم… وانسلت الدموع من عين السيدة بغزارة…. هو الآن راحل ونادم لأنه أنجب ولداً آخر… أنجب ولدا عاقاً لا يفكر إلا بنفسه…

ولدي مجنون…. لقد صرفت عليه دم قلبي…. وهو لا يفكر إلا بنفسه…. أدخلته أحسن جامعة في الأردن، رغم أن مجموعه لم يكن جيداً لكني فكرت به وبمستقبله…. ومرت سنة وراء سنة… ونحن ننتظر الشهادة ولم تأتي هذه الشهادة، لنفاجأ بأنه قد طرد من الجامعة… تعوذت من الشيطان الرجيم وحاولت مساعدته… لأنه لا يريد أن يكون أقل من أخيه… وفتحنا له مصلحة، واشترت له أمه عددا من الأسهم حتى تعينه في المستقبل… وأوقع نفسه في مشكلة مع السلطات لأنه كان يبيع مواد مهربة…. وعندما حاولنا مساعدته اكتشفنا أنه باع الأسهم التي اشترتها أمه بالتوكيل الذي كان يملكه….

تنهدت وتنهد…. انسلت الدموع من عينها…. وحبس دموعه… يا ليت لم نترك هذه البلد ونفر مع الفارين…. ربما كانت حياتنا الآن أفضل…. ربما…

عدل سائق الحافلة المرآة ونظر للوجوه العابسة… تمنى لو يرى لمحة ابتسامة… وأراد أن يسري عن الركاب ولكنه عدل عن ذلك ونظر للطريق أمامه… وأخذت الحافلة تلتهم الطريق التهاماً وتحمل الفارين من ضفة نحو ضفة أخرى…

 

 02/12/2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر